
بقلم/ الدكتور المصطفى الخزاعي
الكاتب: السلام عليك أيها الشارع الممتد في قلب المدينة، هل تسمح لك ذاكرتك أن تجيبني؟ أريد أن أكتبك لا كطريق، بل كسيرة يتمتع بها القُرَّاء الكِرام.
شارع الزلاقة: مرحبا؛ اكتبني كما تشاء، فأنا منذ الخمسينيات لم أكن مجرد زِفْت (إسفلت)، بل صفحةً مفتوحة. كنتُ أول من صافح حداثة خريبكة حين كانت تتشكل بهدوء، بين حلم الاستقلال ونبض المنجم. كنتُ أراقب مدينة تُولد على مهْل، تتلمس خطواتها الأولى نحو معنى جديد للحياة.
الكاتب: يقال إنك شهدت بداية التحول… كيف كان ذلك؟
شارع الزلاقة: كان الناس يمرُّون بي بعيونٍ جديدة. عمال المكتب الشريف للفوسفاط بملابس العمل، وموظفون بلباس أنيق يعكس صعود طبقة إدارية ناشئة، وأطفال يحملون دفاترهم كأنهم يحملون مفاتيح الغد.
فَتَحت بعض المحلات أبوابها، ونَشَأت فضاءات للنقاش السياسي والثقافي بعد الاستقلال. كنتُ أتعلَّم مع المدينة كيف تمشي نحو المستقبل، وكيف تنتقل من الإيقاع القروي البسيط إلى نبض حضري أكثر سرعة وثقة.
الكاتب: من أطلق عليك اسم “الزلاقة”؟ ومن اختار لك هذا العنوان المحمّل بالتاريخ؟
شارع الزلاقة: أنا لم أسمِّ نفسي!
الأسماء تُمنح كما تُمنح الأقدار.
في زمنٍ كانت فيه البلاد تستعيد هويتها بعد الاستقلال، اجتمع رجال المجلس البلدي جزاهم الله، يبحثون عن أسماء تعبّر عن عمق التاريخ وروح الانتماء. فاختاروا “الزلاقة” ليقولوا إن الحاضر امتدادٌ لماضٍ مجيد.
الكاتب: ولِمَ الزلاقة تحديدًا؟
شارع الزلاقة: لأن الاسم يحمل صدى معركة فاصلة في التاريخ الإسلامي بالأندلس. الزلاقة ليست كلمة عابرة؛ إنها صدى معركة في الأندلس ترمز للوحدة والنصر وقعت في 23 أكتوبر 1086م على مقربة من مدينة بطليوس في سهل يسمى “ساغراخاس” بإسبانيا وكان قائد جيش المسلمين السلطان يوسف بن تاشفين الذي جاء لنجدة ملوك الاندلس وانتصر فيها على جيش قشتالة.
كان ذلك الجيل يميل إلى استحضار أمجاد الماضي ليزرع الثقة في حاضرٍ يتشكل. وكان الاسم رسالةً غير مكتوبة: “أن الحداثة لا تعني القطيعة مع التاريخ، بل إعادة قراءته في ضوء الحاضر”
الكاتب: إذن كان اختيارًا مقصودًا؟
شارع الزلاقة: نعم، كان اختيارًا ذا حمولة رمزية. في الخمسينيات والستينيات، لم تكن تسمية الشوارع عملاً إداريًا فقط، بل فعلًا ثقافيًا يعكس هوية المدينة ورؤية نخبتها. الاسم كان بيانًا صامتًا عن وعيٍ جماعي يتشكل.
الكاتب: ومتى تغير اسمك؟
شارع الزلاقة: تغير مع مرحلة جديدة من تاريخ المغرب، حين أصبحت أحمل اسم “محمد السادس”. كما تتغير العصور، تتغير الأسماء، لكنني بقيت شاهدًا على الاثنين معًا: جيل البحث عن الجذور، وجيل تثبيت مسار التحديث.
الكاتب: هل تحنّ إلى اسمك الأول؟
شارع الزلاقة: الأسماء ثيابٌ للذاكرة. قد تتبدل، لكن الروح واحدة. أنا لست اسمًا فقط، بل حكاية مدينةٍ كانت تتعلم كيف تصنع نفسها بين الأمس والغد.
الكاتب: هل تشْعر أنك تغيَّرت؟
شارع الزلاقة: الواجِهات تغيّرت، الأرصِفة توسّعت، السيارات ازدادت، والإيقاع تسارَع. لكن تحت طبقات الزِفْت، ما زالت خطوات الخمسينيات محفوظة. ضحكات الشباب، همسات العشاق، جدال المثقفين في الساحات…
كل ذلك لا يزول، بل يتحول إلى صدى يسكُنني. التغيّر عُمْرانِي ظاهِر، لكن الجوْهر الإنساني باقٍ في الأعماق.
الكاتب: لو طلبتُ منك رسالة لأبناء المدينة، ماذا تقول؟
شارع الزلاقة: قلْ لهم إن المدن ليست مباني فقط، بل ذاكرة مشتركة. إذا أردتم فهْم مدينتكم، فاسألوا شوارعها القديمة. أنا كنتُ البداية، وما زلتُ القلب الذي يربِط الأمس باليوم. لا تجْعلوا السرعة تُنسيكم، إنّ لكل زاوية حكاية، ولكل حجر شاهدًا.
الكاتب: إذن أنت لست شارعًا… بل زمنٌ يمشي؟
شارع الزلاقة: بل زمنٌ يسكن، ينتظر من يقرأه. وأنت الآن تحاول أن تعيدني إلى الحياة بالكلمات. فاكتبني كما كنتُ: بدايةَ حداثةٍ، وذاكرةَ مدينةٍ لا تنسى.
الكاتب: حدثني عن أهم ركائزك… عن تلك المعالم التي صنعت هيبتك.
شارع الزلاقة: إذا أردت أن تعرف قلبي، فابدأ بمدرسة عمر بن عبد العزيز.
هناك، في تلك البناية ذات السقوف المرتفعة والنوافذ الخشبية والساحة الواسعة، كانت المدينة تُصاغ من جديد.
ذلك الطراز المعماري يشير إلى الخمسينيات أو مطلع الستينيات، زمن كانت فيه المدرسة تُبنى بروح الرسالة لا بمنطق الإسمنت فقط.
الكاتب: ويقال إنها كانت مَعْلَمة بمعنى الكلمة؟
شارع الزلاقة: بل كانت مَنارة. تحت إشراف مدير مثالي (ذ. الخَادْمِي رحمه الله)، تحولت إلى مصنع للوعي والطموح. أساتذتها الأكفاء تركوا أثرًا عميقًا في نفوس التلاميذ، فغرسُوا فيهم قيمة الاجتهاد والانضباط. لم تكن الدروس حروفًا على سبورة، بل بذورًا في تربة مدينة فتية.
الكاتب: وهل كان تأثيرها يتجاوز جدرانها؟
شارع الزلاقة: بالتأكيد.
تَخرَّج منها شباب تنافسوا بعد الباكالوريا على المعاهد العليا والكليات الوطنية والدولية. كانت خريبكة، رغم حداثة عهدها، تنافس المدن الكبرى في حِرصها على التعليم. كنتُ أراهُم يَعْبُرونَني كلّ صباح بكُتبهم، ثم يعودون بعد سنوات بشهاداتهم، يحملون للمدينة سمعة مُشرقة.
الكاتب: وماذا يُقابِل هذه المدرسة؟
شارع الزلاقة: يُقابلها غابة شاسعة من شجر الأوكلبتوس تمتد شرقًا وشمالًا. كانت رئتي التي أتنفّس بها. ظِلُّها في الصيف، ورائِحتها في المساء، جعَلَا من المكان توازنًا بين صرامة العمل المَنْجمي وهدوء الطبيعة. كانت المدينة تعْرِف كيف تجمع بين الإسمنت والخُضرة، بين الطُّموح والسَّكينة.
الكاتب: حَدِّثْني عن “حَمَّام العيْدي” العتيق.
شارع الزلاقة: ذاك شاهِد من شواهد النظافة والحميمية الاجتماعية. حمَّام بلَدي عتيق بفُسيْفِساء أندلسية ذهبية زرقاء تُضاهِي مُدن المغرب العتيقة. لم يكن مجرد فضاء للاغْتسال، بل مكانًا لتجديد الروابط الاجتماعية. هناك كانت الأخبار تنْتقل، والصَّداقات تتقوَّى، والطقوس الأسبوعية تُعيد للناس توازنهم النفسي.
الكاتب: وماذا عن الصحة؟
شارع الزلاقة: في بداية الستينيات، بُني مستوصف عمومي صغير، لكنه كبير في رمْزيته. كان يُلبِّي حاجة سكان لم يكونوا كثراً بعد. كان إعلانًا بأن النهضة لا تكتمل بالتعليم وحده، بل بالعناية بالجسد كما بالعقل.
الكاتب: إذن أنت لم تكن مجرد محور مروري…
شارع الزلاقة: كنتُ خريطة نهضة:
مدرسة تصنع العقول، غابة تنعش الأرواح، حمام يحفظ الطقوس الاجتماعية، ومستوصف يرعى الأجساد. كنتُ زمنًا تتعلم فيه خريبكة كيف تكون مدينة حديثة دون أن تفْقد دِفء الجماعة.
الكاتب: وماذا تقول اليوم؟
شارع الزلاقة: قل لأبنائي:
إذا مرَرْتم بي مُسْرِعِين، فتذكّروا أنَّ تحت أقدامِكم طبقات من الحكايات.
أنا لست فقط شارع محمد السادس الجديد، ولا مجرد شارع الزلاقة القديم…
أنا مرحلة من تَشكُّل الوعْي المديني.
أنا مدينة تمشي في ذاكرة أهْلِها، ومن يقرأني جيدًا، يقرأ تاريخ مدينة خريبكة كله يشكرني وأشكره.
يتبع…
المغربية للأخبار المغربية للأخبار