/بقلم عبد العزيز بخاخ
يعد المرحوم عياش المدني واحدا من الوجوه الوطنية والنقابية والسياسية التي بصمت تاريخ مدينة خريبكة والمغرب المعاصر، بما راكمه من نضال ميداني متواصل، وبما تحلى به من ثبات على المبادئ، وصدق في الإنتماء لقضايا الوطن والطبقة العاملة. لقد شكلت حياته مسارا متكاملا إمتد من مقاومة الإستعمار إلى الممارسة السياسية والمؤسساتية، دون أن ينفصل يوما عن هموم المواطنين البسطاء.
نشأ عياش المدني في بيئة ميسورة و محافظة بمدينة خريبكة، في مرحلة تاريخية إتسمت بوطأة الإستعمار الفرنسي وتنامي الوعي الوطني. وفي سن مبكرة، إنخرط في صفوف الحركة الوطنية، متأثرا بروح المقاومة وثقافة التضحية التي سادت أوساط الوطنيين آنذاك. وقد شارك في خلايا المقاومة المحلية، وتعرض للإعتقال في سياق نضاله ضد سلطات الحماية، قبل أن يعيش لحظة الإستقلال وما رافقها من آمال عريضة في بناء مغرب الحرية والكرامة.
بعد الإستقلال، وجه المدني عياش بوصلته نحو النضال النقابي، معتبرا أن معركة التحرر لا تكتمل دون تحقيق العدالة الإجتماعية. فالتحق بـالإتحاد المغربي للشغل، وكان من أبرز المناضلين في صفوف عمال المكتب الشريف للفوسفاط، حيث ساهم في تنظيم العمال والدفاع عن حقوقهم الإقتصادية والإجتماعية. تميز حضوره النقابي بالجرأة والإلتزام، وشارك في محطات نضالية كبرى، من بينها الإضرابات العمالية المعروفة بخريبكة، وعلى رأسها إضراب العطاشة، ثم إضراب 14 دجنبر 1990، الذي شكل لحظة مفصلية في تاريخ النضال الإجتماعي بالمغرب. كما ساهم في العمل الإعلامي النقابي من خلال مشاركته في تحرير جريدة الديمقراطية العمالية.
سياسيا، كان المرحوم عياش المدني من الرعيل المؤسس لـلإتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، وظل وفيا للخيار الديمقراطي التقدمي. تقلد مسؤوليات تنظيمية مهمة، من بينها عضوية اللجنة الإدارية للحزب، والكتابة الإقليمية بخريبكة، وشارك في مؤتمراته الوطنية، مسهما في النقاش السياسي والفكري داخل التنظيم. ومثل الحزب في عدد من الإستحقاقات الإنتخابية، حيث إنتخب نائبا برلمانيا عن إقليم خريبكة إبتداء من سنة 1977، واستمر حضوره البرلماني لعدة ولايات، مدافعا عن قضايا العمال، والتنمية المحلية، والحريات العامة.
في سنة 1999، وبعد وفاة الرئيس السابق المرحوم المختار السكتاني، إنتخب عياش المدني رئيسا للمجلس البلدي لمدينة خريبكة. وخلال هذه المرحلة، سعى إلى ترسيخ تدبير جماعي يقوم على خدمة المصلحة العامة، رغم الإكراهات السياسية والإقتصادية التي طبعت تلك المرحلة. وقد ظل وفيا لقيم النزاهة ونظافة اليد، مبتعدا عن منطق الإمتيازات، مقربا هموم الساكنة من دوائر القرار.
إلى جانب أدواره النضالية، عرف المرحوم المدني عياش بتواضعه، وصدقه، وقربه من الناس، وإحترامه للإختلاف. لم يكن سياسيا موسميا، بل مناضلا يوميا، يجمع بين الموقف والممارسة، ويؤمن بأن السياسة أخلاقا قبل أن تكون سلطة.
توفي المرحوم عياش المدني يوم 10 فبراير 2021، بعد مسيرة حافلة بالعطاء، وشيعته مدينة خريبكة في جنازة مهيبة، عكست مكانته في قلوب رفاقه وخصومه على حد سواء. مخلفا وراءه إرثا نضاليا غنيا، يشكل ذاكرة جماعية للأجيال الصاعدة، ودعوة متجددة للإلتزام بقيم الحرية، والعدالة الإجتماعية، وخدمة الصالح العام.
إن إستحضار سيرة المرحوم عياش المدني ليس مجرد وفاء لإسم أو لشخص، بل هو إستحضار لمرحلة كاملة من تاريخ النضال الوطني والديمقراطي بالمغرب. فقد كان نموذجا للمناضل الذي لم تغيّره المواقع، ولم تغره الإمتيازات، وظل ثابتا على درب الكفاح من أجل مغرب أكثر عدلا وكرامة.
رحمك الله وأسكنك فسيح جناته…….
المغربية للأخبار المغربية للأخبار