/بقلم عبد العزيز بخاخ
تشكل المعطيات المتداولة بشأن تقارير التفتيش المنجزة من طرف لجان تابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية محطة مفصلية في مسار تخليق الحياة العامة وتعزيز الحكامة المالية داخل الجماعات الترابية. فحين يتعلق الأمر بأرقام تقدر بملايير الدراهم من الموارد الجبائية غير المحصلة أو موضوع إختلالات، فإن النقاش يتجاوز البعد التقني ليبلغ مستوى الثقة في تدبير المال العام.
يتعلق الأمر هنا بجماعات تنتمي إلى جهات متعددة، من بينها جهة الدار البيضاء-سطات، جهة مراكش-آسفي، جهة الرباط-سلا-القنيطرة، جهة بني ملال-خنيفرة وجهة فاس-مكناس، وهو ما يعكس إتساع نطاق المراقبة ويدل على أن الأمر لا يرتبط بحالة معزولة، بل بإشكالات بنيوية في تدبير الموارد المحلية.
وحسب بعض العطيات المتوفرة فهذه الإختلالات تخص تحصيل رسوم أساسية، مثل رسم الأراضي غير المبنية، ورسوم إحتلال الملك العمومي، ومداخيل كراء الأسواق الأسبوعية. موارد تمثل شريانا ماليا لتمويل الإنارة العمومية، والنظافة، وصيانة الطرق، والخدمات الإجتماعية. وأي تقصير في تحصيلها ينعكس مباشرة على جودة عيش المواطنين.
من الجانب القانوني، ينبغي التمييز بدقة بين ثلاث حالات:
ــ ضعف أو إهمال إداري ناتج عن خلل في آليات التحصيل والمراقبة،
ــ مخالفة مالية تأديبية تستوجب إجراءات إدارية قد تصل إلى التوقيف أو العزل،
ــ أفعال ذات طابع جنائي قد تندرج، عند ثبوتها، ضمن جرائم تبديد أموال عمومية أو إستغلال النفوذ كما ينظمها القانون الجنائي المغربي.
ولا يمكن القفز من مرحلة الملاحظة إلى الإدانة دون إستكمال المساطر وتمكين المعنيين من حق الرد، ثم ترتيب الآثار بناء على نتائج نهائية موثقة. بحيت تبقى إحالة الملفات إن تمت على القضاء، لا ينبغي أن تفهم باعتبارها حكما مسبقا، بل باعتبارها آلية لضمان الشفافية وتكريس دولة القانون. فقرينة البراءة تبقى أصلا دستوريا والمحاسبة لا تكون إلا بناء على أدلة ثابتة.
غير أن الأهم من ذلك هو الرسالة المؤسساتية. فالرقابة لم تعد إجراء شكليا، بل أصبحت أداة فعلية لتصحيح المسار، وتقوية الثقة في التدبير المحلي، والتحدي الحقيقي اليوم ليس فقط في ترتيب المسؤوليات، بل في إصلاح منظومة التحصيل الجبائي المحلي عبر تحديث قواعد المعطيات الجبائية، رقمنة المساطر، تعزيز المراقبة الداخلية وبالتالي تكوين الموارد البشرية في المجال المالي. فإذا تحولت هذه التقارير إلى منطلق لإصلاح هيكلي، فإنها ستشكل مكسبا للمواطن قبل أن تكون مساءلة للمسؤول.
ويبقى المال العام أمانة، وتدبيره ليس امتيازا سياسيا بل مسؤولية قانونية وأخلاقية. وإذا كانت الأرقام المتداولة دقيقة، فنحن أمام إختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيدا عن الإنتقائية، إحتراما للعدالة.
ويبقى القضاء هو الفيصل، فيما يبقى الإصلاح هو الهدف الأسمى.
المغربية للأخبار المغربية للأخبار