
/بقلم الدكتور المصطفى الخزاعي
شهد إقليم خريبكة منذ السنوات الأولى لفرض الحماية الفرنسية على المغرب بوادر مقاومة مبكرة، عبّرت عن رفض السكان المحليين للوجود الاستعماري ومحاولات السيطرة على المنطقة. فقد أدركت السلطات الفرنسية الأهمية الاستراتيجية لخريبكة، خاصة بعد اكتشاف الفوسفاط سنة 1917، وهو ما جعلها تسعى إلى إحكام قبضتها العسكرية والإدارية على هذا المجال الحيوي.
في هذا السياق، أسّس المقيم العام الفرنسي الجنرال ليوطي مركزًا عسكريًا مهمًا بمدينة وادي زم، التي كانت تمثل نقطة ارتكاز أساسية في شبكة المراقبة الاستعمارية بالمنطقة. وكان الهدف من هذا المركز تعزيز الوجود العسكري الفرنسي وتوطيد دعائم السيطرة على القبائل والحواضر المجاورة. وقد ضمّ المركز العسكري في وادي زم حوالي ألف جندي فرنسي، ما يعكس حجم الاهتمام الاستعماري بالمنطقة.
ولتعزيز التنسيق العسكري، قامت الإدارة الاستعمارية منذ شهر فبراير سنة 1913 بربط هذا المركز بخط تلغرافي عسكري مع قصبة ابن أحمد، وهو ما مكّن القوات الفرنسية من تبادل المعلومات بسرعة والتدخل الفوري لقمع أي تحرك مقاوم. وقد شكل هذا الربط التلغرافي جزءًا من شبكة اتصالات عسكرية واسعة كانت تهدف إلى مراقبة تحركات السكان وإجهاض أي محاولة للتمرد أو العصيان.
غير أن هذه الإجراءات لم تمنع بروز روح المقاومة في صفوف سكان المنطقة. فقد ظل الرفض الشعبي للاستعمار يتنامى عبر السنين، وتحوّل إلى حركات احتجاجية ومقاومة سرية وعلنية، خاصة مع تصاعد المد الوطني في المغرب خلال الأربعينيات والخمسينيات.
وفي هذا المناخ الوطني المشحون، برزت في مدينة خريبكة شخصية نسائية استثنائية ستصبح رمزًا من رموز المقاومة الشعبية، وهي خدوج السليماني. كانت خدوج فتاة ريفية بسيطة، لكنها امتلكت روحًا وطنية متقدة وإرادة قوية في مواجهة الاستعمار. لم تكن تحمل سلاحًا تقليديًا، بل اتخذت من الكلمة والشعار والعمل الشعبي وسائل لنشر الوعي الوطني بين سكان المدينة.
بدأت خدوج السليماني نشاطها المقاوم من خلال كتابة الشعارات الوطنية على جدران المدينة، وهي شعارات كانت تدعو إلى الحرية والاستقلال وتندد بالوجود الاستعماري. كما شاركت في توزيع المنشورات السرية التي كانت تحث السكان على التمسك بالوطن ومقاومة الاحتلال الفرنسي.
وقد ازدادت حدة النشاط المقاوم بعد نفي الملك محمد الخامس إلى مدغشقر سنة 1953، وهو الحدث الذي فجّر موجة غضب عارمة في مختلف مناطق المغرب. تحولت المدن والقرى إلى بؤر احتجاجية، وبدأت حركة المقاومة الوطنية تتخذ طابعًا أكثر تنظيمًا وجرأة.
في خريبكة، كانت خدوج السليماني من بين الأصوات التي ساهمت في تأجيج هذه الروح النضالية. فقد دفعت نحو تنظيم انتفاضة شعبية انطلقت شرارتها من السوق الأسبوعي، حيث يجتمع السكان من مختلف القرى والمداشر. واستغلت هذا الفضاء الشعبي لتعبئة الجماهير وبث روح التحدي في صفوفهم.و سرعان ما تحولت هذه التحركات إلى مواجهة مباشرة مع قوات الاستعمار الفرنسي، التي لم تتردد في قمع الاحتجاجات واعتقال المشاركين فيها. وكانت خدوج السليماني من بين الذين دفعوا ثمن هذا النضال، إذ وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع السلطات الاستعمارية، قبل أن تُلقى في زنازينها.
ورغم قسوة الاعتقال والضغوط التي تعرضت لها، بقي اسم خدوج السليماني رمزًا للشجاعة النسائية في تاريخ المقاومة المغربية. فقد جسدت نموذج المرأة المغربية التي لم تكتفِ بدور المتفرج، بل شاركت بفعالية في معركة التحرر الوطني، إلى جانب الرجال، من أجل استعادة سيادة البلاد وكرامة الشعب.
واليوم، يستحضر تاريخ خريبكة هذه الشخصية باعتبارها واحدة من الوجوه المضيئة في سجل المقاومة الوطنية. فخدوج السليماني لم تكن مجرد فتاة كتبت شعارات على الجدران، بل كانت صوتًا من أصوات الحرية التي أسهمت في إبقاء شعلة المقاومة متقدة حتى تحقق استقلال المغرب سنة 1956.
وهكذا تبقى قصة خدوج السليماني جزءًا من الذاكرة التاريخية لمدينة خريبكة، ودليلًا على أن روح المقاومة يمكن أن تنبع من أبسط الناس، لكنها قادرة على إحداث أثر عميق في مسار التاريخ.
المغربية للأخبار المغربية للأخبار