Home / La marocaine tv / 🟢 خريبكة… من ذاكرة المناجم إلى أفق البرمجة “IA”

🟢 خريبكة… من ذاكرة المناجم إلى أفق البرمجة “IA”

/بقلم الدكتور المصطفى الخزاعي

في قلب التحولات الرقمية التي يشهدها العالم، برزت نماذج تعليمية جديدة تسعى إلى كسر القوالب التقليدية وإعادة تعريف معنى التعلم ذاته. ومن بين هذه النماذج، تبرز تجربة 1337 Coding School بمدينة خريبگة، باعتبارها امتدادًا محليًا لمنظومة تعليمية عالمية رائدة هي 42 Network، التي تأسست سنة 2013 في Paris بمبادرة من Xavier Niel.

من باريس إلى خريبكة: إنتقال الفكرة وتحول المجال

لم تكن فكرة “42” مجرد مشروع تعليمي، بل كانت ثورة بيداغوجية جاءت استجابة لنقص الكفاءات الرقمية عالميًا. فقد قامت على مبدأ بسيط لكنه عميق: التعليم يجب أن يكون مجانياً، مفتوحًا، ومرتبطًا بالمهارات لا بالشهادات. ومع انتشار هذه الشبكة في عدة دول، وجد المغرب في هذا النموذج فرصة لإعادة التفكير في منظومته التعليمية الرقمية.

وهكذا تأسست مدرسة 1337 سنة 2018 بدعم من OCP Group، ليس فقط كمؤسسة تعليمية، بل كمشروع إستراتيجي يهدف إلى تحويل خريبكة – المدينة المرتبطة تاريخيًا بالفوسفاط – إلى قطب معرفي وتكنولوجي. إن هذا التحول الرمزي من “مدينة منجمية” إلى “مدينة رقمية” يعكس بوضوح الرهان على إقتصاد المعرفة في المغرب المعاصر.

/فلسفة تعليمية جديدة: التعلم بلا أساتذة

ما يميز كلّا من شبكة 42 ومدرسة 1337 هو إعتمادهما نموذجا تعليميا غير مألوف، يقوم على ثلاث ركائز أساسية:

ــ أولا، التعلم الذاتي، حيث لا وجود لأساتذة بالمعنى التقليدي، بل يصبح الطالب هو محور العملية التعليمية، يبحث ويجرب ويخطئ ثم يتعلم.

ــ ثانيا، التعلم بالأقران، إذ يتحول الطلبة إلى شبكة معرفية يتبادلون فيها الخبرات ويقيمون أعمال بعضهم البعض، مما يعزز روح التعاون والتفكير النقدي.

ــ ثالثا، التعلم بالمشاريع، حيث يتم اكتساب المعرفة من خلال إنجاز مشاريع حقيقية في مجالات مثل البرمجة، الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات.

هذا النموذج لا يكتفي بنقل المعرفة، بل يسعى إلى بناء عقلية حل المشكلات، وهي المهارة الأساسية في عالم التكنولوجيا المعاصر.

تجربة “Piscine”: الغوص في عمق التحدي

من أبرز ما يميز هذه المنظومة التعليمية هو نظام القبول الفريد، خاصة مرحلة “Piscine”، وهي تجربة مكثفة تمتد حوالي شهر، تشبه إلى حد كبير “الغوص” في عالم البرمجة. خلال هذه المرحلة، لا يتم اختبار المعرفة السابقة بقدر ما يتم تقييم:

ــ القدرة على التحمل

ــ التفكير المنطقي

ــ مهارات العمل الجماعي

إنها تجربة لا تقيس ما يعرفه الطالب، بل ما يمكن أن يصبح عليه، وهو ما يعكس فلسفة عميقة ترى في التعليم إمكانًا لا معطى جاهزا.

/دمقرطة التعليم الرقمي

من أهم القيم التي تجمع بين 42 و1337 هي دمقرطة التعليم. فالدخول إلى هذه المدارس لا يتطلب شهادات جامعية أو مسارات أكاديمية تقليدية، بل يعتمد أساسًا على القدرات الذهنية والاستعداد للتعلم. وهذا ما يجعلها فضاءً مفتوحًا أمام:

ــ الطلبة المنقطعين عن الدراسة

ــ حاملي الشهادات الراغبين في إعادة التوجيه

ــ الشباب الباحثين عن فرصة في العالم الرقمي

وبهذا المعنى، فإن هذه التجربة تمثل إعادة توزيع للفرص داخل المجتمع، حيث يصبح النجاح مرتبطًا بالاجتهاد والمهارة لا بالخلفية الاجتماعية أو التعليمية.

الحياة داخل المدرسة: محاكاة لعالم التكنولوجيا

توفر مدرسة 1337 بيئة تعليمية تحاكي بشكل كبير عالم الشركات التكنولوجية الحديثة:

ــ اشتغال مستمر على مدار الساعة

ــ فضاءات مفتوحة للعمل الجماعي

ــ تجهيزات رقمية متطورة

هذه البيئة لا تُعد فقط فضاءً للتعلم، بل هي أيضًا مختبر للحياة المهنية، حيث يكتسب الطلبة مهارات الاستقلالية، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط، وهي مهارات أساسية للاندماج في سوق الشغل.

/من التعليم إلى التنمية: أثر محلي وعالمي

لم يقتصر أثر هذه المدرسة على الجانب التعليمي، بل امتد ليشمل البعد التنموي. فقد ساهمت في:

ــ إعادة تشكيل صورة خريبكة كمدينة للمعرفة

ــ جذب الشباب من مختلف مناطق المغرب

ــ خلق دينامية ثقافية وتقنية جديدة

كما ترتبط المدرسة بمبادرات مثل المهرجانات الرقمية ومشاريع الإبتكار، مما يجعلها فاعلا أساسيا في الإقتصاد الثقافي الرقمي. وعلى المستوى العالمي، تندرج هذه التجربة ضمن شبكة 42 التي تضم مدارس في أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا، مما يمنح الطلبة بعدا دوليا ويؤهلهم للعمل في بيئات متعددة الثقافات.

/بين الإنسان والآلة: أفق جديد للإبداع

إن الجمع بين نموذج 42 ومدرسة 1337 لا يعكس فقط تحولًا في طرق التعليم، بل يشير إلى تحول أعمق في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا. فالبرمجة لم تعد مجرد مهارة تقنية، بل أصبحت لغة جديدة للتفكير والإبداع.

ومن خلال هذا النموذج، يتم إعداد جيل قادر على:

ــ فهم التكنولوجيا لا استهلاكها فقط

ــ إنتاج المعرفة الرقمية بدل استيرادها

ــ المساهمة في بناء اقتصاد قائم على الابتكار

إن تجربة المدرسة الرقمية بخريبكة، في ارتباطها بشبكة 42، تمثل نموذجا رائدا لتحول التعليم في العصر الرقمي. فهي لا تقدم مجرد تكوين تقني، بل تؤسس لرؤية جديدة تجعل من التعلم تجربة مفتوحة، ومن المعرفة مشروعا جماعيا، ومن التكنولوجيا أداة لتحرير الطاقات الإنسانية.

وهكذا، بين باريس و خريبكة، تتشكل خريطة جديدة للتعليم، عنوانها الأبرز: المهارة بدل الشهادة، والإبداع بدل

التلقين، والمستقبل بدل الماضي.

Check Also

🟢 إفطار تضامني لفائدة نزيلات السجن المحلي بخريبكة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة

  #المغربيةللأخبار في إطار العمل الإنساني وترسيخ قيم التضامن خلال شهر رمضان المبارك، تنظم جمعية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *