Home / La marocaine tv / خريبكة: بين الإرث والتجدد

خريبكة: بين الإرث والتجدد

 

بقلم/ الدكتور المصطفى الخزاعي

ينتمي سكان إقليم خريبكة إلى قبائل ورديغة ذات الامتداد العربي الهلالي، وهو امتداد يرتبط بموجات الهجرة الهلالية الكبرى نحو المغرب خلال القرن الحادي عشر الميلادي (حوالي 1050–1150م). وقد أشار ابن خلدون (1332–1406م) في “كتاب العبر”، المؤلَّف في القرن الرابع عشر الميلادي (حوالي 1377م)، إلى “بني جابر” واستقرارهم “بتامسنا”. وقد رسّخ هذا الأصل التاريخي الممتد منذ العصور الوسطى في الوعي الجماعي شعورًا قويًا بالإنتماء والاعتزاز بالهوية العربية، المبنية على العصبية القبلية وروح الفروسية والتضامن. فالقبيلة هنا ليست مجرد رابطة نسب، بل إطار نفسي وأخلاقي يحدد معنى الشرف، والالتزام، والمسؤولية الجماعية، ويمنح الأفراد إحساسًا بالامتداد التاريخي والاستمرارية.

ومع تشكل المجال المحلي حول قبائل أولاد عبدون خلال القرون اللاحقة (من القرن السابع عشر إلى التاسع عشر الميلادي تقريبًا)، ظل الطابع القروي والقبلي هو الغالب، إلى أن دخلت خريبكة منعطفًا تاريخيًا حاسمًا مع اكتشاف الفوسفاط سنة 1917م، وبداية الاستغلال المنظم خلال فترة الحماية الفرنسية (1912–1956م)، ثم تأسيس المكتب الشريف للفوسفاط سنة 1920م. في النصف الأول من القرن العشرين، تحولت خريبكة تدريجيًا من مجال قبلي زراعي إلى قطب منجمي صناعي، ما أدى إلى تشكل نواة حضرية جديدة. وقد استقطبت المدينة موجات هجرة داخلية واسعة من الأطلس المتوسط، والشاوية، وسوس، ومناطق الشمال، فانبثق نسيج اجتماعي متنوع تجاوز الحدود القبلية الصرفة.

سيكولوجيًا، أنتج هذا التحول تراكبًا بين ذاكرة قبلية عميقة وثقافة عمالية صناعية حديثة. تشكلت ثلاث ديناميات متداخلة عبر القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين:

ــ أولًا، فخر رمزي بالأصل التاريخي الوسيط، يمنح السكان إحساسًا بالكرامة والرسوخ؛

ــ ثانيًا، هوية منجمية صناعية نشأت منذ عشرينيات القرن الماضي، قائمة على الانضباط، والعمل الجماعي، وتحمل المخاطر المرتبطة بالعمل تحت الأرض؛

ــ ثالثًا، طموح اجتماعي واضح تعزز بعد الاستقلال سنة 1956م عبر التمدرس والتكوين العالي، حيث أنجبت المدينة أطرًا عليا في الطب والهندسة والتعليم والمحاماة، ما رسخ ثقافة الترقي والدوق عبر المعرفة.

كما تعكس الهجرة إلى أوروبا، خصوصًا منذ سبعينيات القرن العشرين نحو إيطاليا، بعدًا نفسيًا مرتبطًا بالسعي إلى الأمان الاقتصادي وتحسين المكانة الاجتماعية، دون القطيعة التامة مع الجذور. وهكذا تتكون سيكولوجيا خريبكة من تفاعل تاريخي ممتد من القرن الحادي عشر إلى الزمن المعاصر، حيث يتجاور العمق القبلي مع التجربة الصناعية، ويستمر البحث عن أفق جديد يوازن بين الوفاء للماضي والانفتاح على المستقبل.

يتبع…

 

 

 

 

 

 

 

Check Also

🟢 لماذا نكتب؟

بقلم/ الدكتور م . الخزاعي ليست الكتابة فعلًا لغويًا فحسب، بل هي حالة نفسية ووجودية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *