Home / La marocaine tv / 🔵 التوقيت بين القرار الإداري والفطرة الإنسانية. قراءة تحليلية في الأثر النفسي والإجتماعي

🔵 التوقيت بين القرار الإداري والفطرة الإنسانية. قراءة تحليلية في الأثر النفسي والإجتماعي

/بقلم عبد العزيز بخاخ

يعاد كل عام النقاش العمومي حول مسألة تغيير الساعة بين التوقيت الصيفي والتوقيت “الطبيعي”، ليس فقط باعتبارها إجراء إداريا أو خيارا إقتصاديا، بل بوصفها قضية تمس الإيقاع اليومي للإنسان، صحته النفسية، و تنظيمه الإجتماعي. و يلاحظ كثيرون أنه بمجرد الرجوع إلى التوقيت العادي، يتحسن النوم، و يستعيد الإنسان صفاءه الذهني، و يشعر باتساع الوقت وهدوء النفس. فهل الأمر مجرد إحساس عابر، أم أن وراءه أسسا علمية ونفسية عميقة؟

الإنسان ليس كائنا ميكانيكيا يدار بعقارب الساعة، بل تحكمه ساعة بيولوجية داخلية تعرف بالإيقاع اليوماوي (Circadian Rhythm). هذه الساعة تنظم دورة النوم والاستيقاظ، عملية إفراز الهرمونات خاصة الميلاتونين والكورتيزول و درجة اليقظة والتركيز و المزاج والإستقرار النفسي.

فعندما يفرض تغيير مفاجئ في التوقيت بزيادة أو نقصان ساعة، يحدث نوع من الإرتباك الزمني للجسم، يشبه إلى حد ما إضطراب السفر عبر المناطق الزمنية. حتى لو بدا التغيير بسيطا، فإن الجهاز العصبي يتعامل معه كتحول فعلي في نمط الحياة. وعند العودة إلى التوقيت الطبيعي، يستعيد الجسم توازنه مع ضوء النهار وتوقيت النوم الفطري، فينتظم إفراز الميلاتونين، ويتحسن عمق النوم، ويقل الشعور بالإجهاد.

والزمن ليس مجرد أرقام، بل هو تجربة نفسية. فعندما يشعر الإنسان بأن ليله قصير أو صباحه داهمه قبل إكتمال راحته، يتولد توتر خفي يؤثر في مزاجه ويؤثر على أدائه. أما حين ينسجم نومه مع الظلام الطبيعي و إستيقاظه مع ضوء الصباح، فإنه يستعيد شعور السيطرة والإتساق الداخلي ويحس بوفرة الوقت صباحا وانخفاض التوتر المرتبط بالإستيقاظ المبكر القسري وبالتالي و الأهم، يشعر بالإستقرار في الروتين الأسري، خاصة لدى الأطفال والتلاميذ. وهذا ينعكس مباشرة على العلاقات داخل الأسر، وعلى الأداء الدراسي والمهني بالشكل عام.

المدافعون عن التوقيت الصيفي، يربطونه بالنجاعة الطاقية وتحسين المردودية الإقتصادية، لكن الدراسات الدولية متباينة حول حجم الفائدة الفعلية. في المقابل، تشير أبحاث متعددة إلى إرتفاع نسبي في إضطرابات النوم خلال فترات التغيير، ما ينتج عنه حوادث السير والشعور بالإجهاد في الأيام الأولى بعد تقديم الساعة.

وهنا يطرح سؤال جوهري ، هل ينبغي أن يقدم الإعتبار الإقتصادي على حساب التوازن النفسي و الصحي للمجتمع؟

يتجاوز النقاش البعد التقني إلى بعد فلسفي و أخلاقي. فالنظام الكوني قائم على تعاقب الليل والنهار بانتظام دقيق، و الإنسان جزء من هذا النسق. كل تدخل إداري في ضبط الزمن يظل في النهاية تعديلا إصطناعيا على إيقاع طبيعي متجذر في البنية البيولوجية.

ومن هذا المنظور، فإن الشعور بالراحة بعد الرجوع إلى التوقيت الطبيعي قد يكون تعبيرا عن عودة الإنسان إلى إنسجامه الأصلي مع محيطه الكوني، حيث يتوافق نومه مع الظلمة، ونشاطه مع النور. ولا يمكن حسم المسألة بشعار عاطفي أو بحساب إقتصادي مجرد، بل المطلوب هو تقييم علمي مستقل لآثار تغيير التوقيت على الصحة النفسية والجسدية و إشراك خبراء في علم النفس والطب وعلم الإجتماع في القرار، واستحضار مصلحة الأسرة والتلميذ والعامل قبل أي إعتبار آخر. لأن الزمن ليس مجرد أداة تنظيم إداري، بل عنصرا مركزيا في حياة الإنسان وتوازنه.

إن الشعور بنوم عميق وراحة نفسية وإتساع في الوقت بعد الرجوع إلى التوقيت الطبيعي ليس وهما جماعيا، بل إنعكاسا لتوافق داخلي بين الساعة البيولوجية والنسق الطبيعي للحياة. وبين جدل الإقتصاد والفطرة، و المعيار الحقيقي لأي سياسة زمنية، هو أن يظل الإنسان بصحته النفسية والجسدية.

لأن الإستقرار الزمني، في جوهره، ليس مسألة ساعة… بل مسألة إنسان………

Check Also

حملة لتحرير الملك العمومي بشارع مولاي رشيد (برانس) بمدينة مراكش

متابعة/ هشام ملاس شهد شارع مولاي رشيد، المعروف بـ“برانس” بمدينة مراكش، صباح اليوم، حملة ميدانية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *