/بقلم عبد العزيز بخاخ
لم يكن مشروع قانون مهنة المحاماة مجرد نص تشريعي عابر ضمن أجندة الإصلاحات الحكومية، بل تحول بسرعة إلى مرآة عاكسة لتوازنات دقيقة داخل الأغلبية الحكومية، وإختبارا حقيقيا لقدرتها على تدبير الملفات الحساسة دون أن تنزلق إلى إنقسامات صامتة.
فمنذ الإعلان عن المشروع من طرف وزارة العدل، برزت مؤشرات إحتقان مهني واضح. فقد إعتبرت جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن النص المعروض لا يعكس خلاصات الحوار السابق، وأن بعض مقتضياته تمس جوهر إستقلالية المهنة، خصوصا في ما يتعلق بآليات التأديب والإشراف وحدود تدخل السلطة التنفيذي.
من جهة الحكومة، يقود رئيسها عزيز أخنوش برنامجا إصلاحيا واسعا يشمل تحديث منظومة العدالة. أما وزير العدل عبد اللطيف وهبي، فقد دافع عن المشروع باعتباره خطوة لتنظيم المهنة وتعزيز الشفافية وضبط معايير الولوج والمساءلة. غير أن الإشكال لم يكن في الهدف المعلن بقدر ما كان في منهجية الإعداد.
فالمحاماة ليست مجرد قطاع إداري يمكن إعادة ترتيبه بقرار تنظيمي، بل مؤسسة موازية داخل منظومة العدالة، ترى في إستقلالها ضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات. والإضرابات ومقاطعة الجلسات لم تكن مجرد رد فعل تقني، بل رسالة سياسية مفادها أن أي إصلاح دون توافق عميق سيواجه مقاومة ميدانية. ومع إتساع رقعة الإحتجاج، إنتقل النقاش من مضمون المشروع إلى طريقة تدبيره.
هنا بدأت تظهر مؤشرات التباين داخل الأغلبية الحكومية. فبعض الأصوات، وإن لم تعلن رفضها صراحة، أبدت تحفظا على توقيت المشروع وعلى كلفة الصدام مع جسم مهني يتمتع بحضور وازن في الحياة العامة. وهكذا برز ما يمكن تسميته بـ«الانشقاق الهادئ» داخل الأغلبية وكان الإختلاف في تقدير الكلفة السياسية، لا في جوهر الإصلاح. فقرار تعليق المشروع مؤقتا فتح الباب أمام قراءتين متباينتين.
القراءة الأولى ترى فيه حكمة سياسية لتفادي تعميق الإحتقان. أما القراءة الثانية فتعتبره تراجعا فرضته قوة الضغط المهني. لكن الأكيد أن القرار يعكس إدراكا رسميا بأن الإصلاحات ذات الطابع المؤسساتي لا يمكن تمريرها بمنطق الأغلبية العددية فقط، بل تحتاج إلى شرعية توافقية أوسع. لأن القضية أعمق من مجرد مواد قانونية مثيرة للجدل وبالتالي تطرح ثلاثة أسئلة جوهرية:
ــ هل تعتمد الحكومة مقاربة تشاركية حقيقية في صياغة القوانين المنظمة للمهن؟
ــ هل تملك الأغلبية إنسجاما سياسيا يسمح لها بتدبير الملفات الحساسة دون تصدعات؟
ــ أين ينتهي حق الدولة في التنظيم، وأين يبدأ مجال الإستقلال المهني؟
أثبتت هذه الواقعة أن أي إصلاح يمس البنيات المهنية الكبرى يجب أن يمر عبر مسار حوار مؤسساتي عميق، لأن كلفة الصدام في قطاع العدالة لا تقتصر على السياسة، بل تمس إستقرار المرفق القضائي ذاته. هذا ما كشف أن وحدة الأغلبية ليست دائما وحدة مواقف، بل أحيانا وحدة إضطرارية تحكمها حسابات التوازن أكثر مما يحكمها الإنسجام الفكري.
إن مشروع قانون المحاماة لم يسقط، لكنه دخل مرحلة مراجعة سياسية قبل أن يكون في حاجة إلى مراجعة تقنية. والدرس الأبرز هو أن الإصلاح في القطاعات السيادية لا يقاس بسرعة الإنجاز، بل بعمق التوافق الذي يسبقه.
فالعدالة لا تتحمل منطق الغالب والمغلوب، بل تحتاج إلى شراكة قائمة على الثقة المتبادلة.
المغربية للأخبار المغربية للأخبار