
/بقلم الدكتور المصطفى الخزاعي
لم يعُد كُره المدرسة ظاهرة فردية معزولة، بل تحوّل إلى حالة جَماعية تتكرر في مختلف المجتمعات، وتظهر في سلوكيات يومية: تذَمُّر صباحي، نُفور من الواجبات، ملَل داخل الفصل، بل وأحيانًا رفض صريح للتعلّم. لكن السؤال الذي يفْرض نفسه بإلحاح: هل المشكلة في المُتعلم، أم في المدرسة ذاتِها؟
ــ أولاً: المدرسة كفضاء للإكراه لا للإكتشاف
يولد الطفل وفي داخله شغَف طبيعي للتعلّم، فهو يسأل، يُجرّب، ويكتشف العالم بحماس. غير أن هذا الشّغف يبدأ في التلاشي عندما يتحول التعلّم إلى واجب مفروض بدل أن يكون رحلة ممتعة. في كثير من الأنظمة التعليمية، تُبنى المدرسة على منطق الانضباط الصارم، حيث يُطلب من المتعلم الجلوس لساعات طويلة، والاستماع، والحفظ، ثم إعادة إنتاج المعلومات في الامتحان. هنا يفقد التعلّم معناه، ويتحوّل إلى عبء ثقيل.
ــ ثانياً: هيمنة الحِفظ على حساب الفهْم
من أبرز أسباب النفور من المدرسة اعتمادها المُفرط على الحفظ والتلقين. فالمتعلم لا يُكافأ على التفكير أو الإبداع، بل على قدرته على تكرار ما قيل له. هذا النّمط يُنتج علاقة سطحية مع المعرفة، حيث تُصبح المعلومة شيئًا خارجياً يُفرض على الذهن، لا تجربة يعيشها المتعلم. ومع الوقت، يشعر المتعلم أن ما يدرسه لا يمتّ لحياته بصِلة، فيفقد الدافعية ويبدأ في الرفْض.
ــ ثالثاً: غياب المعنى… لماذا أتعلم؟
أحد أخطر الأسئلة التي لا تجد جواباً داخل المدرسة هو: ما فائدة ما أتعلمه؟
حين لا يرى المتعلم علاقة بين الدروس وحياته اليومية أو مستقبله، تتشكل فجوة نفسية بينه وبين المعرفة. فالتعلّم بدون معنى يشبه السير في طريق بلا وِجْهة. في المقابل، عندما يشعر المتعلم أن ما يدرسه يساعده على فهم ذاته والعالم، يتحول التعلم إلى حاجة داخلية لا إلى واجب خارجي.
ــ رابعاً: الضغط النفسي والخوف من الفشل
تُدار المدرسة في كثير من الأحيان بمنطق التقييم المستمر: امتحانات، ونقط، وترتيب، ومقارنات. هذا المناخ يُولّد القلق والخوف من الفشل، خاصة لدى الأطفال والمراهقين. بدل أن تكون المدرسة فضاءً آمناً للتجربة والخطأ، تصبح ساحة حُكْم دائم. ومع تكرار الإخفاق، يتكوّن لدى المتعلم شعور بالعجْز، فينسحِب نفسياً من عملية التعلّم.
ــ خامساً: تجاهل الفروق الفردية
ليس كل الطلاب متشابهين، لا في القدرات ولا في أساليب التعلّم. ومع ذلك، تُقدّم المدرسة نموذجاً واحداً للجميع: نفس الدرس، ونفس الإيقاع، ونفس طريقة التقييم. هذا التوحيد يُقصي العديد من الطلاب الذين لا يجدون أنفسهم داخل هذا القالب، فيشعرون بأنهم “غير أذكياء”، بينما المشكلة في الحقيقة تكمن في نظام لا يعترف بالاختلاف.
ــ سادساً: المعلم بين الرسالة والضغط
لا يمكن تحميل المتعلم وحده مسؤولية كره المدرسة، فالمعلم نفسه يعيش تحت ضغط المناهج الثقيلة، وضيق الوقت، ومتطلبات الإدارة. حين يتحول المعلم إلى ناقل للمعلومات فقط، يفقد دوره التربوي والإنساني، وتضعف العلاقة بينه وبين الطلاب. بينما تشير التجارب الناجحة إلى أن العلاقة الإنسانية الإيجابية بين المعلم والمتعلم هي مفتاح حب التعلم.
ــ سابعاً: منافسة العالم الرقمي
في زمن الهواتف الذكية والإنترنت، أصبح المتعلم يعيش في بيئة مليئة بالإثارة البصرية والتفاعلية. بالمقارنة، تبدو المدرسة تقليدية وجامدة. عندما لا تواكب المدرسة هذا التحول، تفقد قدرتها على جذْب انتباه المتعلم، الذي يجد في العالم الرقمي بديلاً أكثر تشويقاً.
ــ قراءة أعمق: المشكلة نفسية قبل أن تكون تعليمية
من منظور نفسي، كره المدرسة ليس رفضا للمعرفة، بل رفض للطريقة التي تُقدَّم بها. فالإنسان بطبيعته يميل إلى التعلم، لكن بشرط أن يشعر بالأمان، والحرية، والمعنى. وعندما تغيب هذه العناصر، يتحول التعلم إلى مصدر توتر، فينشأ النفور.
/ كيف نعيد الحب إلى التعلّم؟
الحل لا يكمن في لوم المتعلم، بل في إعادة التفكير في المدرسة نفسها:
– تحويل التعلّم إلى تجربة تفاعلية قائمة على الاكتشاف.
– ربط الدروس بالحياة اليومية والواقع المعاش.
– تقليل التركيز على الامتحانات لصالح تنمية المهارات.
– احترام الفروق الفردية وتنوع أساليب التعلم.
– دعم المعلم ليكون موجهاً ومُلهمًا لا مجرد ناقل.
إن كره المدرسة ليس ظاهرة عابرة، بل مؤشرا على خلل عميق في العلاقة بين الإنسان والمعرفة داخل المؤسسات التعليمية. فالمتعلم لا يرفض التعلّم لأنه كسول، بل لأنه لم يجد فيه نفسه. وعندما تتحول المدرسة من فضاء للإكراه إلى فضاء للمعنى، سنكتشف أن الطفل الذي كان يهرب من الدرس… كان في الحقيقة يبحث عن طريقة أخرى ليتعلّم.
المغربية للأخبار المغربية للأخبار