/متابعة عبد العزيز بخاخ
في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي بالمغرب، وتعلن فيه المؤسسات العمومية عن برامج طموحة لتعميم الخدمات الإلكترونية وتقريب الإدارة من المواطنين، ما تزال بعض المناطق تعيش على إيقاع إختلالات بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في آثارها على حياة الناس. ومن أبرز هذه المفارقات ما تعيشه جماعة أولاد عبدون بإقليم خريبكة التي تجد نفسها، ونحن في سنة 2026، بدون ساعي بريد.
إن غياب ساعي البريد ليس مجرد تفصيل إداري عابر، بل هو مؤشر على خلل حقيقي في إستمرارية مرفق عمومي أساسي. لأن البريد يظل بالنسبة لعدد كبير من المواطنين وسيلة رئيسية لتلقي المراسلات الإدارية والوثائق الرسمية و الإشعارات القضائية والمالية، فضلا عن الطرود والخدمات المرتبطة بالتعاملات اليومية.
ساكنة الجماعة تعيش اليوم معاناة صامتة بسبب هذا الوضع، إذ يضطر المواطنون إلى التنقل نحو مناطق أخرى من أجل تتبع مراسلاتهم أو البحث عن وثائق قد تكون حاسمة في مساطر إدارية أو قضائية. وفي أحيان كثيرة تضيع الرسائل أو تتأخر بشكل ينعكس سلبا على مصالح المواطنين، خاصة الفئات الهشة وكبار السن الذين لا يتقنون التعامل مع الوسائل الرقمية الحديثة.
والمفارقة أن هذا الواقع يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يرفع شعار تعميم الرقمنة وتقريب الخدمات، في حين أن أبسط خدمة تقليدية وهي توزيع البريد، غير متوفرة في جماعة يفترض أن تستفيد بدورها من الحد الأدنى من المرافق العمومية.
و يطرح هذا الوضع تساؤلات مشروعة حول دور الجهات المسؤولة في ضمان إستمرارية المرفق البريدي، خصوصا وأن البريد لم يعد مجرد رسائل ورقية، بل أصبح جزءا من منظومة إقتصادية وخدماتية تشمل التحويلات المالية والتجارة الإلكترونية والخدمات الإدارية المختلفة.
إن استمرار غياب ساعي البريد بجماعة أولاد عبدون يسلط الضوء على فجوة حقيقية بين السياسات المعلنة على المستوى المركزي والواقع المعيشي في بعض المناطق. فالتكنولوجيا لا يمكن أن تكون بديلا عن الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، بل يفترض أن تكون مكملة لها.
ويظل السؤال المطروح وبإلحاح، كيف يمكن الحديث عن مغرب رقمي حديث بينما ما تزال جماعات ترابية تعاني من غياب أبسط خدمات البريد؟
معالجة هذا الوضع لا تتطلب مشاريع كبرى أو إستثمارات ضخمة، بل فقط تدخلا إداريا بسيطا وسريعا لتوفير ساعي البريد وضمان إنتظام هذا المرفق العمومي، صونا لحقوق المواطنين واحتراما لمبدأ المساواة في الإستفادة من الخدمات العمومية بين مختلف مناطق المملكة. فالتنمية الحقيقية تبدأ أحيانا من التفاصيل الصغيرة… وساعي البريد قد يكون أحد تلك التفاصيل التي تعكس مدى حضور الدولة في حياة مواطنيها.
المغربية للأخبار المغربية للأخبار