متابعة/ عبد العزيز بخاخ مستشار
في خريبكة، لم تعد الأزمة في مشروع هنا أو مرفق هناك، بل في طريقة كاملة لتدبير الشأن المحلي؛ طريقة تتقن صناعة الخطاب أكثر مما تتقن صناعة النتائج. والمحطة الطرقية ليست سوى المرآة التي كشفت الصورة بلا رتوش. مشروع ولد ضعيفا، وكبر بالتصريحات، ثم طُلب من المواطنين أن يصدقوا أنه إنجاز عظيم!!!!!
الوقائع عنيدة. معطيات رسمية قدمت داخل مؤسسة منتخبة تقر بوجود إختلالات جوهرية تمس صلب المشروع. تصميم متجاوز، مرافق أساسية غائبة، منظومة مراقبة هزيلة وولوجية تربك حركة البشر والحافلات بدل أن تنظمها. هذه ليست ملاحظات تقنية عابرة، بل مؤشرات على خلل في الفكرة قبل التنفيذ، وفي القرار قبل الورش.ومع ذلك، يخرج الخطاب العمومي بوجه آخر، لغة واثقة، وعود مطمئنة ومقارنات مع محطات كبرى.
هنا لا يعود الأمر مجرد إختلاف في التقدير، بل يتحول إلى قطيعة بين ما يقال داخل المؤسسات وما يسوق خارجها. فأي معنى يبقى للمسؤولية حين يطلب من الناس أن يختاروا بين واقع يرونه بأعينهم وخطاب يطلب منهم تصديقه؟
المشكلة أعمق من محطة. نحن أمام ثقافة تدبير تراكم الأعذار بدل الحلول، وتعيد تدوير نفس المبررات كلما تعثر مشروع. وحين تطرح أسئلة مشروعة حول الصفقات المرتقبة لتدبير المحلات داخل المحطة، لا يجد الرأي العام سوى الغموض. الشفافية هنا ليست ترفا أخلاقيا، بل شرط ثقة. وبدونها، يتحول كل إجراء إلى شبهة، وكل صفقة إلى سؤال معلق.
في مدن أخرى، تبنى البنيات التحتية كرافعة لجذب الإستثمار وتحسين جودة العيش. في خريبكة، يبدو أننا أمام منطق مقلوب، مشاريع بلا هوية، مرافق بلا روح وتسويق يسبق الإنجاز. والنتيجة؟ مدينة بثقل إقتصادي كبير، لكنها بخدمات لا تعكس هذا الثقل، وبصورة لا تقنع ساكنتها قبل زوارها.
ثم يأتي التوقيت. في لحظة وطنية تتسارع فيها وتيرة التأهيل إستعدادا لإستحقاقات كبرى، تقدّم خريبكة بنموذج لا يواكب هذا الزخم. هل هي قلة إمكانيات؟ أم غياب رؤية؟ أم أن الأمر ببساطة يتعلق بإرادة تدبيرية تفضل الحد الأدنى من الجهد مع أقصى حد من الترويج؟
السياسة، في جوهرها، وعد قابل للقياس. ليست خطبا ولا مقارنات إنتقائية. حين تتكرر الفجوة بين القول والفعل، يتحول الخطاب إلى عبء على صاحبه، لا إلى رصيد له. والناخب، الذي يطلب منه غدا أن يثق، لن ينسى اليوم ما يراه من تناقضات.
خريبكة لا تحتاج إلى مزيد من البلاغة. هل العكس تحتاج إلى شجاعة الإعتراف، وضوح المعايير وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة. تحتاج إلى أن تدار وتسير بمنطق كيف ننجح؟ لا بمنطق كيف نبرر الفشل؟.
خلاصة القول، حين تسوّق الرداءة كإنجاز، لا تكون المشكلة في مشروع واحد، بل في البوصلة كلها. وإعادة ضبطها لم تعد خيارا… بل ضرورة ملحة……..
المغربية للأخبار المغربية للأخبار