/بقلم عبد العزيز بخاخ
يشكل العزوف عن العمل السياسي وضعف المشاركة في الإستحقاقات الإنتخابية إحدى أبرز القضايا التي تثير النقاش داخل المجتمع المغربي، لما لها من ارتباط وثيق بمستقبل الممارسة الديمقراطية ومدى انخراط المواطنين في تدبير الشأن العام. فبينما يرى البعض أن هذا العزوف يعكس حالة من اللامبالاة تجاه السياسة، يعتبره آخرون تعبيرا عن موقف واعٍ واحتجاجي نابع من فقدان الثقة في الفاعلين السياسيين والمؤسسات الوسيطة.
لقد شهد المغرب خلال العقود الأخيرة تحولات سياسية ودستورية مهمة، عززت من مكانة المؤسسات المنتخبة ووسعت من مجالات المشاركة المواطنة. غير أن هذه المكتسبات لم تنعكس بالشكل المطلوب على مستوى انخراط المواطنين في الحياة السياسية، حيث ما تزال نسب المشاركة الإنتخابية دون مستوى التطلعات، كما أن الإنخراط الحزبي، خاصة في صفوف الشباب، يعرف تراجعا كبيرا مقارنة بما كان عليه في فترات سابقة.
ويرى عدد من المتتبعين أن أحد الأسباب الرئيسية لهذا الوضع يتمثل في أزمة الثقة التي تفصل بين المواطن والفاعل السياسي. فالكثير من المواطنين يشعرون بأن البرامج الإنتخابية هي متشابهة وتبقى مجرد وعود لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وأن التنافس الحزبي لا ينعكس دائما على تحسين الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية أو الإرتقاء بجودة الخدمات العمومية. كما أن بعض الممارسات السياسية، من قبيل الترحال الحزبي وتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، ساهمت في ترسيخ صورة سلبية عن العمل السياسي لدى فئات واسعة من المجتمع.
في المقابل، لا يمكن اختزال الظاهرة في أزمة الثقة وحدها، إذ إن التحولات الإجتماعية والثقافية التي يعرفها المغرب أفرزت مواطنا أكثر وعيا وأكثر قدرة على تقييم الأداء السياسي ومساءلة المسؤولين. فقد ساهم انتشار وسائل التواصل الإجتماعي وتطور وسائل الإعلام في توسيع دائرة النقاش العمومي، وأصبح المواطن يتابع الشأن العام بشكل يومي، ويقارن بين الوعود والإنجازات، ويطالب بنتائج ملموسة بدل الخطابات والشعارات الموسمية.
وتلعب الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية دورا مؤثرا في تشكيل العلاقة بين المواطن والسياسة. فحين تصبح الأولويات مرتبطة بالبحث عن فرص الشغل وتحسين الدخل ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، تتراجع لدى البعض الرغبة في الانخراط السياسي، خاصة عندما يسود الإعتقاد بأن المؤسسات المنتخبة غير قادرة على إيجاد حلول ناجعة لهذه الإشكالات.
من جهة أخرى، يلاحظ تراجع دور المؤسسات الوسيطة، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات، في تأطير المواطنين واستقطاب الشباب وإشراكهم في صناعة القرار. وقد أدى هذا الوضع إلى اتساع الفجوة بين المجتمع والعمل السياسي المنظم، وفتح المجال أمام أشكال جديدة من التعبير والمشاركة خارج الأطر التقليدية.
إن القراءة الموضوعية لهذه الظاهرة تقتضي الإقرار بأن عزوف المواطن المغربي عن العمل السياسي لا يعكس بالضرورة رفضا للسياسة في حد ذاتها، بقدر ما يعبر عن رفض لبعض الممارسات واختلالات تدبير الشأن العام. فالمواطن المغربي اليوم يبدو أكثر وعيا بحقوقه وأكثر مطالبة بالشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي مطالب تشكل جوهر أي ممارسة ديمقراطية سليمة.
وعليه، فإن معالجة ظاهرة العزوف السياسي لا يمكن أن تتم فقط عبر الدعوة إلى المشاركة في الإنتخابات، بل تستوجب إعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتجديد النخب السياسية، وتعزيز الديمقراطية التشاركية، وتوفير آليات حقيقية تمكن المواطنين من المساهمة في صنع القرار ومراقبة تنفيذه. فكلما شعر المواطن بأن صوته مسموع وأن مشاركته تحدث أثرا ملموسا في حياته اليومية، كلما ازدادت ثقته في العمل السياسي وتعزز انخراطه في بناء مستقبل وطنه.
و يبقى النقاش مفتوحا، هل نحن أمام أزمة ثقة عابرة أم أمام تحول عميق في علاقة المواطن المغربي بالسياسة؟ ويبقى الجواب قد يكمن في قدرة الفاعلين السياسيين والمؤسسات على استيعاب رسائل المجتمع والإستجابة لتطلعاته، بما يضمن ترسيخ ممارسة ديمقراطية قائمة على الثقة والمشاركة والمسؤولية المشتركة.

المغربية للأخبار المغربية للأخبار