
بقلم/ عبد العزيز بخاخ
ليس من قبيل المبالغة القول ان تفعيل آلية الدفع بعدم دستورية القوانين يمثل أحد أهم التحولات التي عرفها النظام الدستوري المغربي منذ إعتماد دستور 2011. فهذا الحق لا يضيف مجرد إجراء قانوني جديد إلى منظومة التقاضي، بل يعيد رسم العلاقة بين المواطن والقانون، ويجعل من المتقاضي شريكا في حماية الدستور وترسيخ سموه.
لقد ظل القضاء الدستوري، لسنوات طويلة مجالا تتحرك فيه مؤسسات الدولة وفق إختصاصات محددة، بينما بقي المواطن بعيدا عن إمكانية إثارة مسألة دستورية القوانين التي تمس بحقوقه. غير أن الفصل 133 من الدستور أحدث تحولا نوعيا حين منح كل متقاضٍ الحق في الدفع بعدم دستورية قانون يرى أن تطبيقه في النزاع يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور.
إن هذا المقتضى لا يستهدف تعطيل القوانين أو التشكيك في عمل المؤسسة التشريعية، بل يؤكد أن جميع السلطات بما فيها السلطة التشريعية، تظل خاضعة للدستور باعتباره أسمى قانون في البلاد. فلا أحد فوق الدستور، ولا يجوز أن يستمر تطبيق نص قانوني إذا ثبت تعارضه مع الحقوق والحريات الدستورية.
واليوم، وبعد دخول القانون التنظيمي المؤطر لهذه الآلية حيز التنفيذ، أصبح الرهان الحقيقي هو حسن تفعيلها. فنجاحها لا يقاس بعدد الدفوع المثارة، وإنما بقدرة القضاء على تحقيق التوازن بين إستقرار التشريع وحماية الحقوق الأساسية، وبقدرة المحامين على توظيف هذه الآلية بجدية ومسؤولية.
من جهة أخرى، فإن هذه الآلية تفرض على المشرع مسؤولية أكبر في صياغة القوانين، إذ لم يعد يكفي أن يحظى النص بالأغلبية داخل البرلمان، بل يجب أن يكون منسجما مع الدستور ومع منظومة الحقوق والحريات التي أقرها. وهذا من شأنه أن يرفع جودة التشريع ويحد من سن نصوص قد يثبت لاحقا عدم دستوريتها.
كما أن للإعلام القانوني دورا أساسيا في التعريف بهذه الآلية، لأن كثيرا من المواطنين لا يزالون يجهلون أن الدستور منحهم وسيلة قانونية للدفاع عن حقوقهم إذا تعلق الأمر بتطبيق قانون يرونه مخالفا للدستور. فترسيخ الثقافة الدستورية لا يقل أهمية عن إصدار النصوص القانونية نفسها.
إن تفعيل الدفع بعدم دستورية القوانين ليس إنتصارا لفرد ضد الدولة، ولا وسيلة لعرقلة العدالة، وإنما هو إنتصار للدستور نفسه، وترجمة عملية لمبدأ سموه، ودليل على نضج دولة المؤسسات. فكلما إتسعت مساحة الرقابة الدستورية، وتعزز إحترام الحقوق والحريات، إزدادت ثقة المواطن في العدالة، وترسخت دولة الحق والقانون التي جعلها جلالة الملك محمد السادس خيارا إستراتيجيا لا رجعة فيه.
إن المرحلة المقبلة تستدعي تشجيع الإجتهاد القضائي، وتعزيز التكوين في مجال العدالة الدستورية، حتى يصبح هذا الحق الدستوري وسيلة فعالة لحماية الحقوق، وليس مجرد نص قانوني محدود التداول. فالدساتير تقاس بقوة تطبيقها، لا بجمال نصوصها، والعدالة الدستورية هي الضامن الحقيقي لاحترام إرادة الدستور وصيانة حقوق المواطنين.

المغربية للأخبار المغربية للأخبار