Home / La marocaine tv / شغب الملاعب… إلى متى؟ قراءة تحليلية الأسباب، المسؤوليات والحلول

شغب الملاعب… إلى متى؟ قراءة تحليلية الأسباب، المسؤوليات والحلول

/ وجهة نظر عبد العزيز بخاخ

لم تعد ظاهرة شغب الملاعب في المغرب مجرد سلوكات معزولة أو أحداث ظرفية عابرة، بل أضحت تعبيرا مقلقا عن إختلالات مركبة تتداخل فيها الأبعاد الإجتماعية والنفسية والإقتصادية والتنظيمية. فمشاهد العنف والتخريب التي ترافق بعض المباريات تكشف أن الأمر تجاوز حدود الرياضة، ليطرح أسئلة عميقة حول واقع الشباب، وطبيعة التأطير، ومدى نجاعة السياسات العمومية في إحتواء هذه الفئة الحيوية. وفي هذا السياق، لا يمكن إختزال الظاهرة في سبب واحد، بل هي نتاج تراكمات متعددة، بحيث أصبح بعض الشباب يجد في المدرجات متنفسا للتعبير عن الإحباط الناتج عن البطالة، الهشاشة وضعف الآفاق، فتتحول الحماسة الرياضية إلى سلوك إحتجاجي غير مؤطر، يختلط فيه الغانتماء الكروي بالشعور بالتهميش.

في المقابل، يبرز البعد النفسي كعامل أساسي في تفسير هذا السلوك، إذ تتحول الملاعب لدى فئة من المشجعين إلى فضاء لتفريغ المكبوتات والعنف الداخلي، خاصة في ظل غياب قنوات بديلة للتعبير كالثقافة والفن والرياضة المؤطرة. كما أن بعض الإنحرافات داخل مجموعات المشجعين ساهمت في تكريس سلوكيات تقوم على التعصب والهيمنة بدل التشجيع الحضاري، وبات الإنتماء للفريق مبررا للعنف، وتحولت الجماعة إلى مصدر ضغط يدفع الأفراد نحو التصعيد. ولا يمكن إغفال تأثير المخدرات التي باتت تغزو أوساط الشباب والقاصرين، إذ تلعب دورا خطيرا في تغذية السلوك العدواني وفقدان السيطرة، ما يعمق من حدة الظاهرة ويجعلها أكثر خطورة على الأمن العام.

من جهة أخرى، تطرح طرق تدبير المباريات بدورها علامات إستفهام كبيرة، حيث يكشف الواقع عن إختلالات واضحة في التنظيم اللوجستيكي، سواء من حيث مراقبة الولوج إلى الملاعب أو توزيع الجماهير بشكل يضمن السلامة. كما أن ظاهرة تنقل المشجعين بوسائل غير قانونية وفي ظروف خطيرة تعكس نوعا من التراخي أو ضعف المراقبة، خاصة عندما تتم أمام أنظار السلطات دون تدخل حازم. ويضاف إلى ذلك محدودية بعض البنيات التحتية التي لا تستجيب للمعايير الحديثة، مما يجعلها عاجزة عن إستيعاب الأعداد الكبيرة أو إحتواء حالات التوتر، فضلا عن إعتماد مقاربات أمنية تقليدية تركز على التدخل بعد وقوع الأحداث بدل العمل الإستباقي المبني على التحليل والتوقع.

إن تحديد المسؤوليات في هذه الظاهرة يقتضي مقاربة شمولية لا تعفي أي طرف من دوره، فالدولة مطالبة بتقوية السياسات الموجهة للشباب ومعالجة جذور التهميش ومحاربة شبكات المخدرات، كما أن الأندية والهيئات المشرفة على كرة القدم تتحمل مسؤولية كبيرة في تأطير الجماهير ونشر ثقافة رياضية قائمة على الإحترام والتنافس الشريف. وتبقى الأجهزة الأمنية مطالبة بتطوير أدواتها نحو مقاربة أكثر ذكاء ونجاعة، في حين يتحمل الإعلام بدوره مسؤولية تجنب خطاب الإثارة والعمل على ترسيخ قيم الروح الرياضية، دون إغفال الدور المحوري للأسرة والمدرسة في تنشئة جيل يحترم القانون ويؤمن بالإختلاف.

إن مواجهة شغب الملاعب لن تتحقق بالحلول الزجرية وحدها، بل تتطلب إستراتيجية متكاملة تجمع بين الردع والوقاية والتأطير، من خلال اعتعماد تقنيات حديثة لرصد المخالفين وتطبيق عقوبات فردية عادلة، إلى جانب إدماج الجماهير في برامج توعوية وتنظيمية تعزز انخراطها الإيجابي. كما يظل الإستثمار في الشباب وتوفير فضاءات رياضية وثقافية بديلة، ومحاربة المخدرات بصرامة، من بين الركائز الأساسية للحد من هذه الظاهرة. فالمغرب الذي راكم تجربة مهمة في تنظيم التظاهرات الكبرى قادر على كسب هذا التحدي أيضا، شريطة توفر إرادة حقيقية تجعل من الملاعب فضاءات آمنة للفرجة والمتعة، لا مسرحا للفوضى وتفريغ الأزمات.

Check Also

🔵 موضة التفاخر بالأضحية… أزمة قيم أم ضغط مجتمع؟

بقلم ذ/عبد العزيز بخاخ أصبحت الأضحية في السنوات الأخيرة عند فئة من الناس تحمل بعدا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *