/عبد العزيز بخاخ 
تشكل الإنتخابات التشريعية المقبلة بالمغرب محطة مفصلية في مسار الإنتقال الديمقراطي، لكنها في الآن ذاته تضع الفاعلين السياسيين والمؤسسات أمام إختبار حقيقي هل نحن أمام إستحقاق قادر على تجديد الثقة، أم مجرد إعادة إنتاج روتيني لنفس الأعطاب؟
من حيث الأسس، لا يمكن إنكار أن المغرب راكم ترسانة دستورية وقانونية مهمة منذ إعتماد دستور 2011 الذي أقر مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفصل السلط، وربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج الإنتخابات. غير أن هذا الإطار المتقدم نظريا يصطدم في الواقع بحدود الممارسة السياسية، حيث تتحول القواعد أحيانا إلى مجرد واجهة شكلية لا تعكس دينامية ديمقراطية حقيقية. فالتعددية الحزبية، رغم غناها العددي، تعاني من ضعف التأطير وغياب التمايز الإيديولوجي، ما يجعل الناخب أمام عروض سياسية متشابهة في الخطاب ومختلفة فقط في الشعارات.
أما على مستوى الضمانات، فالدولة تعلن في كل محطة إنتخابية التزامها بتأمين شروط النزاهة والشفافية، عبر إشراف وزارة الداخلية، ومراقبة القضاء، وتحديث المنظومة القانونية. غير أن الإشكال لا يكمن فقط في النصوص، بل في الثقة. إذ لا يزال جزء من الرأي العام يشكك في تكافؤ الفرص بين المتنافسين، وفي تأثير المال الإنتخابي، واستعمال النفوذ، وضعف ربط المسؤولية بالمحاسبة بعد إنتهاء الاستحقاقات. كما أن غياب هيئة مستقلة بشكل كامل للإشراف على الإنتخابات يظل نقطة نقاش مركزية لدى العديد من الفاعلين الحقوقيين والسياسيين.
لكن الرهان الأكبر لا يتعلق فقط بضمان نزاهة العملية، بل بجدواها. فالعزوف الإنتخابي، خاصة في صفوف الشباب، لم يعد مجرد مؤشر ظرفي، بل تحول إلى ظاهرة بنيوية تعكس فجوة عميقة بين المواطن والعمل السياسي. ذلك أن جزءا واسعا من المواطنين لا يرى في الإنتخابات وسيلة حقيقية للتغيير، بقدر ما يعتبرها آلية لإعادة تدوير نفس النخب، التي غالبا ما تفشل في ترجمة الوعود إلى سياسات عمومية ملموسة.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية النخب كأحد أعقد التحديات. فبدل أن تكون الإنتخابات مدخلا لإفراز كفاءات جديدة، تتحول في كثير من الأحيان إلى مجال لإعادة إنتاج الأعيان ومنطق الولاءات، وهو ما يفرغ المؤسسات التمثيلية من بعدها الديمقراطي. كما أن ضعف التأطير الحزبي، وغياب الديمقراطية الداخلية داخل عدد من الأحزاب، ينعكس سلبا على جودة الترشيحات والبرامج.
سياسيا، تحمل هذه الإنتخابات رهانات كبرى، أبرزها إعادة ترتيب المشهد الحزبي وتحديد ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة. غير أن التنافس الإنتخابي، في ظل غياب فروقات برنامجية واضحة، قد يتحول إلى صراع إنتخابي تقني أكثر منه تنافسا سياسيا حقيقيا حول المشاريع المجتمعية. وهو ما يطرح سؤالاً جوهري، هل الأحزاب ستقدم بدائل حقيقية، أم مجرد وعود ظرفية مرتبطة بلحظة انتخابية؟
إقتصاديا وإجتماعيا، تأتي هذه الإنتخابات في سياق تحديات متزايدة، من بطالة وغلاء معيشة وتفاوتات مجالية، ما يجعل الناخب أكثر حساسية تجاه النتائج الملموسة بدل الخطابات. وبالتالي، فإن أي عملية إنتخابية لا تفرز مؤسسات قادرة على الإستجابة لهذه التحديات، ستزيد من تعميق أزمة الثقة بدل معالجتها.
خلاصة القول، إن الإنتخابات التشريعية القادمة ليست مجرد إستحقاق دستوري دوري، بل هي لحظة سياسية فاصلة. إما أن تشكل مدخلا لإعادة الإعتبار للعمل السياسي عبر تخليق الحياة العامة وتجديد النخب وربط المسؤولية بالمحاسبة،أو أن تكرس واقعا انتخابيا شكليا يعمق العزوف ويؤجل الإصلاح.
وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي معلقا على إرادة الإصلاح، ووعي الناخب، وقدرة الفاعلين على الإنتقال من منطق التدبير الإنتخابي إلى منطق البناء الديمقراطي الحقيقي….
المغربية للأخبار المغربية للأخبار